الأحد، 16 يونيو 2019

بيلي هوليداي الجزائريّة حملت الرّاي إلى العالم

الشابة فضيلة

في الثمانينيّات الذهبيّة أخرجت الرّاي الجزائري من طابعه المحلّي. جالت أوروبا وأميركا وروسيا مع زوجها السابق الشاب صحراوي. المغنية التي انطلقت مبكراً على طريق الشهرة، غنّت، ومثّلت في التلفزيون والمسرح.

يشبّه بعض النقاد الشابة فضيلة(1962) بنجمة موسيقى الجاز الأميركية بيلي هوليداي. فهي تمتلك أسبقية تاريخية تميزها عن بقية مغنيات جيلها، باعتبارها أول مغنية راي تنتج فيديو كليب («ما عندي زهر معاك» ــ 1987)، وأول مغنية تقوم بجولة فنية في أوروبا وأميركا حاملةً الراي إلى أبعاد عالميّة.
الحديث مع الشابة فضيلة، حديث عن مسيرة الراي المعاصر، وعن تجربة فنية تتجاوز ثلاثة عقود. تجدها تتمتع بكثير من التلقائية في الكلام. رغم السنوات الطويلة التي قضتها في فرنسا، تحتفظ بجيناتها الجزائرية، وخصوصاً تلك «النرفزة» العفويّة أثناء الحديث. لا تخفي قلقها إزاء شغفها بالموسيقى فهي واحدة من المغنيات القليلات اللواتي حافظن على إيقاع منتظم في إصدار الألبومات. «أحاول جاهدة الاشتغال على كل ألبوم كما ينبغي. آخذ الوقت الكافي في انتقاء كلمات الأغنيات، وفي التسجيل، مع التركيز على عمليتي التوزيع والترويج» تخبرنا.
في مجتمع جزائري، بطريركي كغيره من المجتمعات العربيّة، تجاوزت فضيلة في منتصف السبعينيات مختلف العقد الاجتماعية واتخذت قرار إثبات وجودها مهما كلّف الأمر. كانت في الخامسة عشرة حينها. «يخطئ كثيرون في اعتقادهم أنّ موسيقى الراي كانت حكراً على الرجال» تقول. «في بدايات مسيرتي الفنية، كنت مقتنعة بخيار موسيقى الراي، والدليل أنّني شرعت في الغناء باسمي الحقيقي (فضيلة زلماط)، من دون أن أنحاز إلى خيار مغنيات جيلي اللواتي فضّلن الظهور بأسماء مستعارة». بنبرة واثقة، تحكي فضيلة عن أبرز العوامل التي ساعدتها في إبراز خصوصية صوتها: «السّند الأهم في مسيرتي الفنية يتمثل في العائلة. فأنا أنتمي إلى عائلة فنية. أذكر أنّ أول أغنية أديتها كانت برفقة شقيقي الأكبر الذي كان يشتغل في العمل المسرحي، وتحديداً في « مسرح عرائس القرقوز» في وهران». شكّلت تجربة المسرح محطة مهمة في بدايات فضيلة. «مثّلت أدواراً مسرحية خلال المراهقة، ونلت شرف العمل إلى جانب المسرحي الراحل عبد القادر علولة حين كنت في السادسة عشرة». خاضت فضيلة أيضاً تجربة التمثيل التلفزيوني في فيلم «جلطي» (1976) للمخرج محمد إفتسان. بعد سلسلة تجارب أسهمت في صقل شخصيتها الفنية، دخلت ابنة السابعة عشرة مع بداية 1979 تجربة العمل الموسيقي. وجاءت البداية مع الانضمام إلى جوقة المغني بوطيبة الصغير أحد أبرز وجوه نمط الـ«بوب ــ راي» (الذي سبق نمط الراي الحالي). «ساعدني بوطيبة الصغير كثيراً ومنحني كثيراً من الخبرة التي أسهمت في تطوير ذاتي الفنية»، تخبرنا فضيلة.

لكن القفزة النوعية الأكثر أهمية في مسيرة الشابة فضيلة جاءت مع لقائها بالشاب صحراوي (زوجها السّابق)، ثمّ عملها مع المنتج رشيد بابا أحمد. هذا الأخير مزج وسجّل عام 1983 ألحان أحد أول ألبوماتها التي تضمنت أشهر أغانيها «نسال فيك». أغنية نقلتها مع الشاب صحراوي إلى العالمية، ويقول فيها الثنائي: «عمري لالة!… أنا نبغيك يا عيني… أنا نبغيك يا ابن أمّا… شفته في الظلمة تكسر لي خاطري… وشكون اللي يعرف ضري غير أميمتي… عمري لالة!… أنا نبغيك يا عيني… سالوا دموع الأيتام وما قديتش… أنا البحر علي وآنت لا!..». وقد أعاد الشاب فضيل غناء هذه الأغنية في أولى أسطواناته «البيضاء» (1997). «أعتقد أن سرّ النجاح العالمي الذي عرفته الأغنية ذاتها يعود إلى إدراجها ضمن أحد الأفلام الأميركية»، تقول فضيلة. ومنذ ذلك الحين، بدأت رحلة الشابة (مع صحراوي دائماً) في قارتي أوروبا وأميركا. «أذكر أننا في عام 1989، أحيينا سلسلة حفلات في الاتحاد السوفياتي سابقاً، قبل الغناء أول مرة في الولايات المتحدة عام 1990. عدت إلى أميركا عام 1994 برفقة الشاب حسني قبل أسابيع قليلة من اغتياله». خلال السنوات الأولى من التسعينيات، وقّعت الشابة فضيلة عقداً مع شركة الإنتاج البريطانية Island، التي احتكرت لسنوات أعمال نجم الريغي الجمايكي بوب مارليه والمغنّي والملحّن البريطاني كات ستيفنس. في منتصف التسعينيات، اتّهم بعضهم الشابة فضيلة بالهروب من الجزائر، خوفاً من مواجهة قدرها أمام اتساع الأصولية الإسلاميّة. لكنها تدافع عن نفسها قائلةً: «كلا! هذا غير صحيح. أنا لم أهرب. على عكس ما يدور من أقاويل وادعاءات. قضيت سنوات الدّم في الجزائر. الحقيقة أن زوجي السّابق محمد صحراوي انتقل بعد اغتيال الشاب حسني إلى فرنسا وأخذ معه أبناءنا. حينها، كنت أتردد على العاصمة باريس فقط، للاطلاع على أحوال أبنائي لبضعة أسابيع، ثم أعود مباشرة إلى الجزائر».
وربطتها في طفولتها علاقة حميمة بالشيخة الريميتي معلّمة الراي الجزائرية. ولا تزال تحتفظ ببعض الذكريات المضيئة من طفولتها، تتذكر فضيلة: «الريميتي كانت تزورنا في البيت، وكنت لما أبلغ الرابعة عشرة من عمري. كانت تعانقني بقوّة وتحدثني عن الغناء. كانت تتخذني بمثابة ابنتها وتشاركني في بعض همومها».

الشّابة فضيلة على يمين الصورة (كاليفورنيا، 1993)
الشّابة فضيلة على يمين الصورة (كاليفورنيا، 1993)

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رشيد طه

رشيد طه.. المُسافر خارج الأزمنة

غالباً ما نبتلع تلك العبارة المكرّرة، التي تقول: «الرّاي وصل للعالمية»، دونما تفكيك لها، أو …

حسنة البشّارية: صنعت قيثارتها من علبة خشبية ومقبض مكنسة

تمسك حسنة البشّارية (1950-) آلة القمبري، بين يديها، تصمت قليلاً، ثمّ تُشير إليها وتهمس: «هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.