الأحد، 16 يونيو 2019

عن ألبير كامو الجزائري

ألبير كامو
ألبير كامو

قي أيار (مايو) 1939، والجزائر رازحة تحت الاحتلال الفرنسي منذ أكثر من قرن (1830)، حلّ صحافي شاب اسمه ألبير كامو، عمره آنذاك 26 عاماً، في منطقة القبائل الأمازيغيّة. في تلك المنطقة الريفيّة الوعرة (100 كيلومتر جنوبي الجزائر العاصمة)، وقف الرجل الذي سيصبح من أشهر كتّاب القرن العشرين على مأساة إنسانية صادمة، ليوقّع على أثرها أشهر روبورتاج في مسيرته المهنية بعنوان «بؤس القبائل»، باسم مستعار، هو اسمه العربي: محمد بن سالم. نشر الروبورتاج في جريدة Alger Républicain على عشر حلقات بين 5 و15 حزيران (يونيو) 1939، وفيه أخبر كامو عن عائلة عاشت من دون طعام ليومين أو ثلاثة، وعن خمسة أطفال هلكوا إثر تناول أعشاب برية سامّة… أرّخ كامو لتلك الحقائق وأرفقها بصور فوتوغرافية، فاضحاً ممارسات الإدارة الاستعمارية التي سارعت إلى إرسال موفد إلى المنطقة ذاتها، فأنجز تحقيقاً مضاداً يتغنّى بـ«فضل فرنسا على أهالي القبائل»… لكنّ التاريخ لم يحتفظ إلا بروبورتاج كامو، الذي وجّه رسالة علنية إلى الحكومة الفرنسية: «إذا كنتم غير قادرين على فعل شيء، فاتركوا هذا الشعب يعيش فخوراً ومنسجماً مع ذاته». يكتب روجيه غرونيه، في كتاب «ألبير كامو، شمس وظل» (1987): «تحمل مقالات كامو الصحافية نظرةً مختلفةً عن مقالات أندريه جيد في أفريقيا السوداء، أو مقالات أندري مالرو في الهند الصينية، لأن العلاقة التي كانت تربط كامو بالجزائر كانت علاقة الابن بأرض المنشأ». فقد عاش كامو قريباً من السكان الأصليين في حي بلكور في العاصمة الجزائريّة. ورغم أنّ بعضهم يختصر موقفه من استقلال الجزائر في الجملة الشهيرة «لو خُيِّرت بين العدالة وأمي، لاخترت أمي»، إلا أنّ الباحث خوسيه لنزيني المختص في سيرة كامو، يعدّها جملة محرّفة. تلك العبارة لم تمنع محمد ديب من تسمية كامو «كاتباً جزائرياً» واعتبار مولود فرعون له «مفخرةً للجزائر»، بينما خفف الرئيس الجزائري عبد العزيز بو تفليقة من وطأتها كـ«عبارة واردة عن رجل يمثّل جزءاً منّا»، بحسب قوله. يذكِّرنا لنزيني في كتابه «آخر أيام ألبير كامو» بعلاقة صاحب «الطاعون» بالثورة الجزائرية، وتوقيعه مقالات باسم مستعار هو محمد بن سالم، وعلاقته الجيدة بأبي الوطنية الجزائرية مصالي الحاج مؤسس حزب الشعب الجزائري. لنزيني الذي يشير إلى إيمان كامو بالاستقلال التدريجي بعيداً عن الحرب، لفت إلى أنّ الأديب الفرنسي كان ينظر بعين الريبة إلى علاقة «جبهة التحرير الوطنية» بنظام جمال عبد الناصر وطموحاته القوميّة العربيّة.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

كلّ مساء في مدن أعمدتها من ريح وبيوتها من تعب نداري قسوة دهشتنا بين أمواج …

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

كمال داود هناك رواية جزائرية كتبها كلّ جزائريّ. يكفي أن تجلس، تتأمّل، مثنى أو ثلاث، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.