الأحد، 16 يونيو 2019

قرابين الحرّية!

الصّحافي عبد السّميع عبد الحيّ يحمل ابنته

لاشيء تغيّر في الجزائر!
الصّحافة في قبضة السّلطة.
مسلسل تكميم الأفواه لم ينته، والصّحافي ما يزال الحلقة الأضعف في العلاقة الملتبسة بين السّياسي والأمني.
منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة(أفريل/نيسان2014)، لم تتوقف أجهزة الرّئيس عن التّحرّش بالإعلام: غلق قناة خاصة (أطلس تي.في)، توقيف صحيفتين يوميتين عن الصّدور (الجزائر نيوز وAlgérieNews)، التّضييق على صُحف أخرى (الفجر، الخبر و Elwatan)، وجاءت قضية الصّحافي عبد السّميع عبد الحي(1969-) لتزيد المشهد دراميّة، فقد تجاوزت مدّة سجنه الاحتياطي خمسة عشر شهرًا، بتهمة تليق بفيلم أميركي سمج: مساعدة صحافي آخر، هو هشام عبود، على الهروب من البلد، وعبور الحدود الجزائرية – التونسيّة!

* * *

«القانون فوق الجميع، و الجميع يموت بالجوع»، تذكّرت هذا المثل الشّعبي السّاخر لما تحدّث المحامي محمد قواسمية بمرارة عن رفض محكمة تبسة(شرقي الجزائر)، للمرّة الخامسة، طلب الإفراج المؤقّت عن موكّله عبد السّميع عبد الحيّ(المعتقل منذ تاريخ 18 أغسطس2013).
يوم 5 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، في غمرة الاحتفال بالذكرى السّتين لانطلاق الثورة التحريرية، أحصى المحامي نفسه خسارتين، فقد رافع عن الصّحافي والتمس إفراجًا مؤقتًا عنه، لسبب إنساني هو إصابته بداء السّكّري، وسبب قانوني كونه لا يشكّل خطرًا على أمن الدّولة، وأبلغه القاضي بالرفض، وفي اليوم التالي، فقد محمد قواسمية والده، المناضل السّابق في الحركة الوطنية، وبكى خسارة ثانية، مُدركًا أن النوايا الحسنة وحدها لا تكفي، ففي الجزائر، القضاء لا يُهادن، وعبد السّميع ليس شكيب خليل، الذي اختلس المليارات، تحت قبعة القانون، وغادر البلد دون أن ينتبه إليه أحد.

هل يستحق عبد السّميع هذا القَدَر المأساوي؟

جريمته أنه قام بواجب الضّيافة مع مدير الجريدة، التي كان يتراسل معها (جريدتي)، الصّحافي هشام عبود، وما إن غادر عبود إلى تونس، حتى تمّ اعتقال عبد الحيّ، وتداولته أجهزة أمنية مختلفة: شرطة، مخابرات عسكرية. هكذا وجد نفسه في السّجن دون محاكمة.

هل اعتقل عبد السّميع عبد الحيّ انتقامًا من هشام عبود؟ هذا الأخير أسالَ، العام الماضي، العرَقَ البارد لشقيق الرئيس ومستشاره الخاص: السّعيد بوتفليقة، ووجّه إليه اتّهامات صريحة بالفساد.

* * *

قبل مغادرة البيت صباحًا، فتحت صفحتي على الفايسبوك، ووجدت أن صور عبد السّميع تكاد تملأ الموقع الأزرق، وبعض الرّفاق يتناقلون تصريح حَرَمه عن نيّة زوجها دخول إضراب عن الطّعام.. شعرت أن القضية بدأت تأخذ منحنى تراجيديًا.. أعدت تأمّل ملامح الرّجل، قامته الفارهة وعيناه الصامتتان. أطلت النظر في الصّورة وقلت في نفسي: هذه صورة خادعة، الأكيد أن شكله تغيّر، ولم يعد بالنّبض نفسه كما عرفته، للمرّة الأولى، عام 2007، لما كان مراسلاً للصحيفة اليومية التي أعمل فيها (الجزائر نيوز)، من مدينته الشّرقية التاريخيّة: تبسة. كان يتصل، يوميًا، في التوقيت نفسه: الحادية عشرة صباحًا، ليطلع رئيس التّحرير عن أهمّ القضايا التي يمكن الكتابة عنها من هناك: احتجاجات السّكان، تهريب البنزين، حركة السوّاح، تحركات جماعات مشبوهة، إلخ. كان يراسل الصّحافة المكتوبة ويشتغل في المحطة الإذاعية المحليّة في آن، اطّلاعه الأدبي وتجربته الميدانية جعلا منه اسمًا محترمًا، ومطلوبًا في صحف أخرى، ففي الجزائر، منطقتان اثنتان تحظيان باهتمام إعلامي خاص لا يقلّ عن الاهتمام بخطابات الرئيس الشّحيحة، هما الحدود الغربية مع المغرب، والحدود الشرقيّة مع تونس، الأخبار التي ترد من هناك تجد بسهولة مكانة لها على الصفحات الافتتاحية للجرائد اليومية، وهي تتعلق غالبا بأخبار تمسّ أمن الدّولة أو اقتصادها، والمفارقة أن مراسلي هاتين المنطقتين هم الأكثر عرضة للمضايقات، مقارنة بنظرائهم في مدن البلاد الأخرى.

هل ما يزال الصّحافي الجزائري يؤمن بوهم الحريّة؟

حكاية عبد السّميع عبد الحيّ تعزّز الشّك في اليقين، وتجعل من الحقّ المشروع يوتوبيا.

* * *

السّاعة: منتصف اللّيل إلا ربعًا. سألت نفسي: ماذا يفعل صحافي معتقل في مثل هذا الوقت؟ يستحيل أن يكون نائما. فكرت في أكثر من إجابة، وفجأة رنّ الهاتف. الصّديق احميده عياشي على الخطّ.. قبل بضعة أسابيع، رفضت وزارة الاتصال التّرخيص لصحيفة الجزائر نيوز، التي كان يدير تحريرها، وعمل فيها قبلاً عبد السّميع عبد الحيّ، بالصّدور مجدّدًا. بعد عشر سنوات من العمل، ومن إثارة القضايا الحرجة، توقفت الجريدة فجأة، بقرار سياسي، و السّبب: موقفها الحاد المُعارض لترشّح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لعهدة رئاسية رابعة. احميده، الذي خبر سيرة المنع والضّغط على الحريات في بلد المليون ونصف المليون شهيد، لم ييئس. يحاول تجاوز القمع الرّسمي بكثير من السّخرية.. يُحدثني عن رواية الزّميل كمال داود، التي بلغت القائمة النهائية من ترشيحات جائزة غونكور، وعن مقالاته النقدية في صحيفة «Le Quotidien d’Oran»، عن المسرح، عن الحياة عمومًا، وعن تطلّعه إلى عودة الجزائر نيوز بشكل موقع إليكتروني مُستقل، وخياره الشّخصي بمواصلة الكتابة، وتخزين ما يكتب، إلى أن تُتاح مستقبلا فرصة للنّشر وتقديم شهادة عما جرى في الأشهر السّتة الأولى من عهدة بوتفليقة الرّابعة. بعد حوالي ثلاثين عامًا من ممارسة الصّحافة، ثلاثون عامًا من التحقيقات والاستطلاعات، والتّنقل من مراسل إلى صحافي، ثم رئيس قسم ورئيس تحرير، وأخيرًا مدير تحرير، يجد احميده عياشي نفسه «شخصًا غير مرغوب فيه»، فالنّظام الجزائري لا يتسامح مع «العُصاة». لقد أُغلقت (الجزائر نيوز)، ووجد حوالي ثلاثين موظفًا، من صحافيين و إداريين، أنفسهم، بين عشية وضحاها، بلا عمل ولا مصدر رزق.
مع اقترابه من العقد السّادس، يزداد احميده شبابًا، فقد كان سعيدًا وهو يخبرني باستعداده للمشاركة في ماراثون الجزائر، الذي حضّر له بجد، بحصة تمارين صباحيّة يومية، مدتها ساعتان، وبروح تنافسية عالية وثفة وجرأة مضاعفتين. إنه لا يتعب. مُقاوم وعنيد.

هل علم عبد السّميع، في زنزانته، أن (الجزائر نيوز) التي عمل فيها قد حُكم عليها بالمنع؟ وأن مديره السّابق صار مثله ممنوعا من الكتابة والنّشر؟

يحدّثني احميده عن قراءاته الجديدة، وعن مشروع رواية له، وتستمر الدردشة ساعة ونصف السّاعة دون توقّف، ولم أكد أنتبه للوقت إلا بعد أن وصلتني رسالة نصيّة على الهاتف الثاني، أو بالأحرى نبأ عاجل من موقع إخباري فرنسي، يتحدّث عن احتجاج شعبي في دولة بوركينا فاسو بسبب رغبة الرّئيس (الأسبق) بلاز كومباوري في تعديل الدستور والتّرشح لولاية رئاسية جديدة.
ربما استلهم بلاز كومباوري التّجربة الجزائرية، وما قام به عبد العزيز بوتفليقة من تعديل للدستور(2008) وفتح العهدات الرئاسية، بعدما كانت محدّدة بعهدة واحدة، قابلة للتجديد مرّة واحدة فقط. لكن الشّعب البوركينابي كان عكس ما توقّع كومباوري، فقد كان أكثر صرامة في تعامله مع الزّمرة الحاكمة، ودفعها بقوة إلى الخروج من الباب الضّيق.

هل توجد في بوركينا فاسو حالة مُشابهة لحالة عبد السّميع عبد الحيّ؟

قبل خمس سنوات كنت في العاصمة واغادوغو، وكنت يوميًا أمرّ بمقر وزارة الدّفاع، في طريقي إلى فندق «الاستقلال»، حيث كانت تقام فعاليات مهرجان السينما الإفريقية(Fespaco). يوميًا كنت أصادف جنديًا مُكلفًا بالحراسة في الخارج، يطلب مني الشيء نفسه: سيجارة. أعطيه سيجارة ويغدق عليّ بالشّكر كما لو أنني قدمت له معروفًا كبيرًا. في الأيام السّبعة التي قضيتها هناك، رأيت بلدًا صامتًا، ولم أصادف سوى أناس مسالمين في طباعهم وسلوكياتهم، بالكاد يُصدق الواحد منّا أنهم سيفكرون في الانتفاض في وجه الآلة التي حكمتهم سبعة وعشرين عامًا، ورسّخت بينهم منطقَي المال والقوة في تحديد العلاقات الرّابطة بينهم.

في الأخير، فعل البوركينابيون ما عجز على فعله غيرهم!

* * *

أكمل قراءة رواية تتحدّث عن علاقة مثيرة تجمع بين جزائرية و صيني، جاء إلى الجزائر بحثًا عن لقمة العيش فوجد نفسه مُغرمًا بشابة أمازيغية، تنتهي العلاقة بينهما بولد غير شرعي، وبنبوءة مؤلِّف الرواية أن الجزائر، ونظرا لتوافد الصّينين الكبير عليها، ستعرف نهاية القرن الحالي وصول أول رئيس من أصل صيني إلى الحكم. هل سيكون لقيطًا مثل الشّخصية الورقية التي تحدّث عنها؟

هل سيكون رئيسا رحيمًا بالصّحافيين؟

أترك الكتاب جانبًا، أفتح التلفزيون وأتابع، باهتمام، نشرة أخبار الثّامنة. الشّاب المذيع يبالغ في توزيع الابتسامات قبل تقديم أي خبر، يعدّل، من حين لآخر، من جلسته، يركّز النظر في الكاميرا، وأنتظر منه خبرًا أو مجرّد إشارة إلى الصّحافي المسجون ظلمًا، والصحيفة الممنوعة قسرًا، فيصرّ على نقل، فقط، الأخبار الأهم: برقيات يبعث بها الرّئيس إلى نظراء له بمناسبة وغير مناسبة، توزيع سكنات على مواطنين، وهدم أحياء قصديرية، الوزير فلان يقوم بزيارة تفقّدية إلى…كلها أخبار زاهية عن جزائر لا تشبه الجزائر التي تحترق كل يوم. الجزائر التي نراها في نشرة الأخبار هي دولة ناعمة، خجولة، مُحّبة لشعبها وغيورة على مصالحه، هي جزائر لا يعرفها المواطن البسيط، نجح النّظام في غرسها وسقيها وتطويرها، ثمّ الترويج لها وتوطينها عقول النّاس البسطاء. تلفزيون يحكي عن جزائر أخرى ويقتنص ميزانيته من عرق المواطن المقموع، ينتصر للسّلطة لا للشّعب، يستمد قناعاته من قواميس التّعتيم والتّضليل التي لن يطول، قطعًا، عُمرها.

هل يُشاهد #عبد_السّميع_عبد الحيّ التّلفزيون في السّجن؟

على الأقل، هو يعلم – اليوم – بأن قضيته ليست سوى قربان في سبيل البحث عن هامش أوسع من الحريّات.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.