الجمعة، 23 أغسطس 2019

باتريك موديانو.. أوراق حميمة

باتريك موديانو في مكتبة بيته
باتريك موديانو في مكتبة بيته

الدّخول إلى حياة باتريك موديانو الحميمة يبدأ من زيارة سريعة إلى مكتبته الشّخصية، ببيته المحاذي للحيّ اللاتيني، فصاحب نوبل للآداب، هذا العام، ظلّ وفيّاً لروح الأجداد، متقمِّصاً أزمنتهم بامتياز، جاعلاً من حياته(69 سنة) امتدادّاً طبيعياً لسير كُتّاب نهاية القرن التّاسع عشر، وبداية القرن العشرين، مغلِّباً النوستالجيا على المُعاصرة، منتهجاً كتابة «بروستية»، وعادات قد يزاحمها الملل مرّات، بمراودة المقاهي نفسها، التّركيز على طرق لبس ثابتة، الكتابة والتّسكّع، منذ أكثر من ثلاثين عاماً، في أوقات- تقريباً- محدّدة، مع عيش مستمرّ داخل، وعلى هامش، صخب باريس وفوضاها اليوميّة.
في شارع، يتّسم معماره بالتوجّه الباروكي، وقبالة بيت الكاتب، يبدو للمارّ أن المشهد جدّ عادي، وأن الرّوتين يتغلّب على فرضيات الدّهشة، وهو انطباع منطقي، فموديانو، الذي يقضي ساعات الصّباح في مكتبته، يفضّل الانغلاق في صمت حين يقرأ، وصمت حين يتكلّم، ولا نسمع صخباً للمحيطين به، صوته بالكاد يُسمع في مكتبته التي لا تختلف، من النّظرة الأولى، عن أية مكتبة شخصية لكاتب آخر، مع فارق بسيط في نبضها الأرستقراطي، انسجاماً مع الخاصية الفرنسية بداية القرن العشرين، التي كانت تصرّ على وضع الأديب في خانة الأرستقراطي، ومنحه شعوراً بالفخر لمنجزه، فقد لعب مارسيل بروست، وبعض الكتّاب من الجيل الذي سبقه، دوراً في قولبة النظرة العليا للمجتمع تجاه الكاتب. هي مكتبة مُنظّمة، توحي بأن يداً حريصة تعتني بها، والفوضى الخلاقة، التي عادةً ما تلازم أمكنة عيش وكتابة بعض الأدباء ليست من المظاهر المحبَّبة لمؤلِّف «الأفق». صاحب «شارع الحوانيت المعتمة» أرادها مضاءة دومّاً، بنافذتين كبيرتين مطلّتين على الشارع، مصرّاً -ضمنيّاً- على أن يخبرنا بأن الكتابة تأتي من لحظة تنظيم المكان، بشكل تتوضّع فيه الأغراض كلّ في زاويته: كتب على الرفوف العالية، والممتلئة، التي تفرض عليه استخدام سُلَّم للوصول إليها، وأخرى على المكتب الخشبي، والمتبقي منها على الأرض، مُنظّمة تنظيماً ديكارتياً، لا عبث ولا صدفة، في صورة تحيل القارئ إلى مزاج مواطنه الأكبر إيميل زولا.
كان يمكن لباتريك موديانو أن يلتزم حياة ظلّ حقيقية، كما عوّد قرّاءه دائماً، وأن يمتنع عن إظهار مكتبته الخاصّة أمام الملأ، ويعتذر للمذيع فرانسوا بينال عن قبول دعوة برنامج «المكتبة الكبيرة» على القناة الفرنسيّة الخامسة،وأن يظل صامتاً أسبوعاً واحداً فقط قبل الإعلان عن اسمه فائزاً بنوبل للآداب. أسبوعاً واحداً قبل أن تكشف الأكاديمية السَويدية عن صاحب الجائزة الأدبية الأكبر. كشف موديانو أوراقه، كما لو أنه أراد أن يتعرّى أمام الكاميرا، أن يهب حياته الحميمة للقارئ، فعلها في لحظة كان مقتنعاً فيها بأنه لن يبلغ يوماً جائزة نوبل، التي طالما ارتبطت في ذهنه بأسماء كُتّاب عاش معجباً بهم، على غرار مواطنه الآخر ألبير كامو.

في مكتبته المكتظّة بروايات وكتب في الشعر وأخرى في السياسة، عملُ موديانو لا يقتصر على المطالعة، بل -أيضاً- فيه البحث عن شخصيات روائية بين الأوراق القديمة. يبحث فيها عن شخصيات جديدة أو أخرى قديمة لاستعادتها. الأوراق الصّفراء والكتب القديمة تزاحم كتاباً جديدة، حديثة العهد بالمطبعة، كل شيء يجتمع في مكتبة مؤلِّف «ساحة النجمة»، فهو يستقبل أسبوعياً -بالبريد- كتباً جديدة، من أصدقاء، وكُتّاب شباب، وخصوصاً من دار غاليمار، ناشره الوفي الذي ينسجم مع الكاتب نفسه في عراقته وأرستقراطيته الأدبيّة. مجلّدات وقواميس، وكتب بوريقات وسطها تؤشّر إلى صفحات بعينها، شرع موديانو في قراءتها ولم ينتهِ منها، بشكل يؤكِّد على الفوضى المعتدلة المُندسّة وسط «النّظام»، رائحة ورق وغبار ذكريات في مكان يؤرِّخ لعقود من الارتباط الرّوحي بالكتابة، جعلت من صاحبها واحداً من أهم كُتّاب الرواية في فرنسا، منذ النّصف الثّاني من سبعينيات القرن الماضي. 

على مكتبه الخشبي، المنظّم أيضاً كالمكتبة، بالحدّ الأدنى من الأوراق، بلا قصاصات متناثرة، يتوضّع مصباحا إنارة صغيران، صور عائلية، وقاموس لغوي عتيق، القاموس الذي لا يفارقه، (قليلاً ما نشاهد كُتّاباً عَرَباً يستخدمون القواميس لحظة الكتابة).

موديانو في زيارة إلي مدرسة في ستوكهولم
موديانو في زيارة إلي مدرسة في ستوكهولم

موديانو مدين للّغة مثلما هو مدين للمدينة، لباريس التي ولدته واحتضنته ورافقته في سفره، من قارئ ومُعجب بالأدب، إلى نجم أول على الصفحات الأولى من الجرائد والمجلّات العالمية، نجم صامت كما يحبّ دوماً أن يكون، وعلى المكتب أيضاً حزمة من الأقلام الملوّنة وأقلام الرّصاص، فهو ما يزال يكتب -أولاً- على الورق، يخطّ بيده النّص قبل أن يراه ينتقل إلى الحاسوب، ولكن، ترافقه -أيضاً- عدسة مُكبرة، بمقبض طويل، فالنّظارات الطبيّة لم تعد كافيّة، وهو يقترب من السّبعين، أُرهقت عيناه من القراءة ومن تأمُّل العالم وهو يمرّ متسارعاً أمامه، عينان شهدتا كبريات الأحداث: ثورة ماي 1968، صدامات الحرب الباردة، سقوط جدار برلين، فوز فرنسا، على بعد نصف السّاعة من بيته، بكأس العالم 1998، كما شهدتا تقلُّبات المجتمع مع تغيّر الرؤساء: شارل ديغول، جورج بومبيدو، فاليري جيسكار ديستان، فرانسوا ميتيران، جاك شيراك، نيكولا ساركوزي، ثم فرانسوا هولاند. هو شاهد عيان على فرنسا ما بعد الحرب العالمية الثانية، وممسوس بنزعة العودة -باستمرار- إلى فترة الحرب وما قبلها، التي لم يعشها، فهو يعتقد أن ذاكرة الفرد تولد قبل أن يخرج من بطن أمه، ومن ثَمَّ فهو لا يملّ من إعادة الحفر في ذاكرة بلده الأم ومصائر أناس عاشوا الحقبة الأحلك القرنَ الماضي. ومن حين إلى آخر، نلمح على جنبات المكتبة لوحات فنية وصوراً شخصية، تكسر أحادية الدّيكور، وتعيد ربط المؤلِّف بعالمه الخارجي. في مكتبة باتريك موديانو الشخصية، التي تتوسَّطها أريكة حمراء، والأحمر كان دائماً لونه المفضل، يلتمس القارئ شغف مؤلِّف مهووس بالمكان، مرتبط به ارتباطاً عضوياً وروحياً، مسكون بمربّعه الصّغير الذي أخرجه إلى العالم الفسيح، فهناك كَتَبَ باتريك موديانو نصوصاً تخاطب الذّاكرة، ومازال يكتب، وتستثمر فيما رُشِّح منها، ليستمرّ حاضراً دائماً بيننا.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

العاهرات يعدن هذا الأسبوع

بُترت ساق الطّريق، وانفض من حول الحمام الرّيح، تعكّر مزاج السّماء لكنها رفضت أن تنوح، …

يوم تافه... وأشياء أخرى!

يوم تافه… وأشياء أخرى!

على نافذة الغرفة، لم تعد أمي تضع قشور البرتقال، لتجفّ. ما عادت أيضا تضع قشور …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.