الجمعة، 23 أغسطس 2019

الصَّوت والصّدى

 

 

بوركينا فاسو تقرّر مصيرها
بوركينا فاسو تقرّر مصيرها
بوركينا فاسو تقرّر مصيرها

ثلاثة أيّام كانت كافيّة لتنقل بوركينا فاسو الهادئة، من قبضة سُلطَة مُطلقَة إلى يد سُلطَة توزّع أحلاماً بالتّقسيط. فجأة، في غفلة من أعين المتتبعين، انتفض الشّارع البوركينابي، في صورة لم نَعْتَدْ عليها في المشهد الإفريقي، وأعلن هذا البلد المُحاصر بجغرافيا مُتشظيّة، وتاريخ كولونيالي مُنهك، عن قناعته بالتّغيير.

الـــحـكــم عـــلـى الانـــتـفـــــاضــة البوركينابية الآن، ومحاولة تشبيهها بالرّبيع العربي، يبدوان محاولة متسرعة، فالغليان ما يزال مُستمراً وسيبقى كذلك، على الأقل خلال النّصف الأول من السّنة المقبلة، ونتائجه لم تُحسم، لكن تاريخ 31 أكتوبر/تشرين الأول 2014، سيبقى لحظة فارقة في تاريخ البلد، فيومها شهدت العاصمة واغادوغو نهاية الرجل القوي: بلاز كومباوري (1951)، الذي دام حكمه 27 عاماً، أي منذ 1987، بعد انقلابه على الرئيس الأسبق توماس سانكارا. ذات خميس من شهر أكتوبر/تشرين الأول سقط سانكارا، أو تشي غيفارا الأسمر، وفي خميس من أكتوبر/تشرين الأول أيضاً سقط غريمه التاريخي كومباوري، ودخلت بوركينا فاسو، ذات الغالبية المسلمة، المنزوية في خانة الدول الأكثر فقراً، مرحلة جديدة، مُعلِنَةً بدء تحوّل أسمر ربما سينتقل إلى بعض دول الجوار، ففي بلاد نازي بوني، صاحب «غسق الأزمنة القديمة» تظلّ الاحتمالات مفتوحة.
لا شيء كان ينبئ بتصعيد سريع في العاصمة واغادوغو: شوارعها الواسعة، غير المُهيأة في جُلّها، المكتظة بضجيج الدّراجات النارية وقليل من السّيارات الفارهة، وساحاتها حيث ينتشر باعة متجوّلون ويتسكّع مارّة تظهر على ملامح وجوههم معاناة عميقة، كانت تبدو راضية بوضعها قبل أن يقرّر الرئيس كومباوري تعديل الدستور، والترشّح لعهدة رئاسية جديدة، وهي اللّحظة الصّادمة التي حدّدت بداية المواجهة، بين معارضة، حشدت إلى جانبها الآلاف من المواطنين، وسلطة أظهرت عجزاً عن المقاومة، وتشتتاً في اتخاذ رأي ثابت.
في صورة مُشابهة لما حصل في تونس نهاية 2010، خرج البوركينابيون بشعار واحد: «DÉGAGE!» )ارحل!)، كما لو أن الشّعار نفسه صار بديلاً عن أكثر من عقدين من الكبت السياسي، ومرادفاً مختصراً لقاموس من الاحتجاج.. شعار رافقته صورة زعيم، يحن إليه البوركينابيون: توماس سانكارا.

المرسيدس ورونو5
منذ استقلالها عن المستعمر الفرنسي (1960)، عرفت بوركينا فاسو (فولتا العليا سابقاً) مسلسل انقلابات عسكرية، ولم تَرْتَحْ من الشدّ السياسي بين السلطة والمعارضة إلا قليلاً. خلال السنوات الثلاثين الماضية، اسم واحد ظَلّ يتردّد على الألسن، كمُخلِّص لم يحظَ بالوقت الكامل لإتمام مشروعه النّهضوي: توماس سانكارا (1947 – 1987)، القارئ المولع بفلاديمير لينين، وكتابه الشهير «الدّولة والثورة»، والذي حكم البلاد أربعة أعوام فقط (1983 – 1987)، مُتبنياً خطاباً تحررياً، معادٍ للإمبريالية والتّدخل الأجنبي في الشأن الدّاخلي، اشتهر بجرأة القرار في دفاعه عن الفئات الاجتماعية المحرومة، وبكلمته المثيرة للجدل خلال القمة الإفريقية 1985 بأديس أبابا، أيام منغستو هيلا مريام، لما خاطب زعماء القارة: «الأفارقة لا بد أن يُعفوا من دفع الدّيون. من لا يتفق معي، فليغادر حالاً، يركب الطائرة ويذهب إلى البنك العالمي للدفع». كان سانكارا مستفزاً، باعثاً على الأسئلة الأكثر حرجاً في القارة، متعاطفاً مع الفقراء، حيث يُحكى أنه أمر بتغيير سيارات الرئاسة المرسيدس الفاخرة بسيارة عادية من نوع رونو5، فقد كان معادياً للقوى الكبرى، وحالماً ببوركينا فاسو (بلاد الرجال الشرفاء) أفضل، تتحرّر فيها المرأة من سلطة الذكورية وتشارك في التنمية، وكان مُحفزاً للشباب للعب دور أكبر في التعجيل في الانتقالين السياسي والاقتصادي. كان مُقتنعاً بالخيار الاشتراكي، ميالاً لقراءة كتب الفلسفة والفنّ، حيث أمر، في واحدة من خرجاته، سكان العاصمة واغادوغو بصبغ حيطان بيوتهم كلّها باللوّن الأبيض، ووصل رفضه للقوى الكولونيالية القديمة حدّ منع رالي باريس – داكار الشهير، من المرور عبر أراضي البلد، لكن الحماسة الثورية التي ميّزت سنوات سانكارا رافقتها بعض الأخطاء، أهمها خطوته غير المسبوقة بتغيير 2600 مُدرس بثوريين سابقين، لكن هذا لم يمسّ من سمعته ومكانته في عقول أبناء وطنه، وظلّ دائماً يُصوّر في أحاديث الناس ودردشاتهم كبطل قومي، ليس فقط محليّاً، بل أيضاً إفريقياً، هكذا استمر الحال حتى 15 أكتوبر/تشرين الأول 1987، لما سمع طلقات نار قريبة من مقر الرئاسة، حينها قام من كرسيه وخاطب رفاقه: «ابقوا أنتم مكانكم. هم يريدون رأسي!». خرج من القصر مرتدياً شورت، رافعاً يديه وسقط بالرصاص، رفقة اثني عشر رجلاً من رفاقه، وبرّر كومباوري لاحقاً انقلابه على صديقه قائلاً: «لقد خان سانكارا روح الثّورة»، دونما تقديم توضيحات.

إصلاحات ناقصة
جغرافـياً، تُعَد بوركينا فاسو منطقة جد حرجة، موقعها في السّاحل الإفريقي، وسط دول تحركها نزاعات مُسلحة جعل منها محوراً دبلوماسياً مهماً، ونقطة تلاقي الفرقاء، حيث يحسب للرّئيس المخلوع بلاز كومباوري لعب دور مهم في الحفاظ على استقرار البلد أولاً، وثانياً تقمص دور الوسيط في النّزاعات التي شهدها الجاران كوت ديفوار (2007) ومالي (2012)، لكنه لم يُحافظ على المكتسبات طويلاً وأجّج غضباً شعبياً أطاح به، وبحكمه الذي كان، من الدّاخل، هشاً، ففي الانتخابات الرئاسية الأولى(1991)، لم يشارك في التّصويت أكثر من 25 % من الكتلة الناخبة، رغم وعود الرئيس بفائض حريات سياسية، وقاطعت الغالبية الحدث، وعُرِفَ بعلاقاته الجيدة بالرّئيس الليبيري الأسبق شارل تايلور (الذي حُوكِمَ بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية)، والعقيد الليبي الأسبق معمر القذافي، واستمرت رئاسته للبلد تحت منطقي الوعد والضغط، نتجت عنهما بداية انتفاضة فبراير/شباط 2011، التي رفع فيها المتظاهرون، للمرّة الأولى، شعارات صريحة تطالب برحيله، والتي لم تفلح الإصلاحات السياسية المنتهجة في التخفيف من حدّتها.
بوركينا فاسو، مُتعدّدة اللّغات (ستّون لغة محلية)، حاضنة السّينما الإفريقية، والتي لم تُشفَ تماماً من مشاكلها الدّاخليّة العميقة (مع نسبة أمية تتجاوز 70 %)، العالقة في حلقة من الانتظارات، تُطلّ اليوم برأسها من عنق الزجاجة، تبحث عن مصدر تفاؤل، أملاً في تخطي محنها المتكررة، وإيجاد معبر آمن يُعيد لها كبرياءها.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

دعه يكتب، دع الأثر يدلّنا عليه

دعه يكتب، دع الأثر يدلّنا عليه

بدءًا كانت الفكرة ثم التطبيق وننتظر معًا الأثر. عندما قمنا بالإعلان عن تنفيذ الفكرة تطرقنا …

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.